الشيخ محمد الخضري بك

135

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

وهم بنو محارب وبنو ثعلبة ، فتجهز لهم وخرج في سبعمائة مقاتل ، وولّى على المدينة عثمان بن عفّان « 1 » ، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم فلم يجدوا فيها أحدا غير نسوة فأخذهنّ ، فبلغ الخبر رجالهم ، فخافوا وتفرّقوا في رؤوس الجبال ، ثم اجتمع جمع منهم وجاؤوا للحرب ، فتقارب الناس ، وأخاف بعضهم بعضا . ولما حانت صلاة العصر وخاف عليه الصلاة والسلام أن يغدر بهم الأعداء وهم يصلون صلّى بالمسلمين صلاة الخوف « 2 » فألقى اللّه الرعب في قلوب الأعداء وهم يصلّون . وتفرقت جموعهم خائفين منه صلّى اللّه عليه وسلّم . ومال الإمام البخاري إلى أن هذه الغزوة كانت في السنة الرابعة وأجمع أهل السير على خلافه . غزوة بدر الآخرة لمّا أهلّ شعبان هذا العام كان موعد أبي سفيان ، فإنه بعد انقضاء غزوة أحد قال للمسلمين : موعدنا بدر العام المقبل ، فأجابه الرسول إلى ذلك . وكان بدر محل سوق تعقد كل عام للتجارة في شعبان يقيم التجار فيه ثمانيا . فلمّا حلّ الأجل ، وقريش مجدبون ، لم يتمكّن أبو سفيان من الإيفاء بوعده ، فأراد أن يخذل المسلمين عن الخروج كيلا يوسم بخلف الوعد ، فاستأجر نعيم بن مسعود الأشجعي « 3 » ليأتي المدينة ويرجف بما جمعه أبو سفيان من الجموع العظيمة ، فقدم نعيم المدينة وقال للمسلمين : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ « 4 » ، ولم يلتفت عليه الصلاة والسلام لهذا الإرجاف اتّكالا على ربه بل خرج بألف وخمسمائة من أصحابه ، واستخلف على المدينة عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي « 5 » . ولم يزالوا سائرين حتى أتوا بدرا ، فلم

--> ( 1 ) قال ابن إسحاق : استعمل على المدينة أبا ذر . ( 2 ) روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن الثلاثة - عمن صلّى مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم ذات الرقاع - أن طائفة صفت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطائفة وجاه العدو - أي تجاهه مراقبة له - فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى ، فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، فأتموا لأنفسهم فسلم بهم . ( 3 ) يكنى أبا سلمة صحابي مشهور له ذكر في البخاري أسلم ليالي الخندق ، وهو الذي أوقع الخلف بين الحيين قريظة وغطفان في وقعة الخندق ، قتل أول خلافة علي قبل قدومه البصرة في وقعة الجمل . ( 4 ) سورة آل عمران اية 173 . ( 5 ) ابن سلول ، وكان أبوه رأس المنافقين ، وكان اسم هذا الحباب وبه يكنى أبوه فسماه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عبد اللّه . وشهد بدرا وأحدا والمشاهد ، ويقال إنه أستأذن النبي في قتل أبيه فقال بل أحسن صحبته فلما مات